عبد الملك الجويني

372

نهاية المطلب في دراية المذهب

وقد ذكرنا أن المستعير لو زرع الأرض المستعارة بإذنٍ ، لم يقلع زرعُه في أصْل المذهب ، وأشرنا إلى تردُّدٍ في أنه إذا رجع عن العاريّة هل يغرَم المستعير أجر المثل في بقية المدة ؟ والذي قطع به أئمتنا أن المشتري إذا زرع الأرض ، ثم أخذ الشفيعُ الشقصَ ، فلا شك أن زرعه لا يقلع ، ولا يلزمه الأجرة ؛ فإنه كان تصرف في ملكه ، وليس كالمستعير مع المعير ؛ فإن انتفاع المستعير كان يعتمد إباحةَ المعير ، وقد انقطعت بالرجوع . وألحق الأئمةُ سقوطَ الأجر في الزرع عن المشتري بما لو باع الرجل أرضاً مزروعة ، فإذا صححنا البيع ، فليس على بائع الأرض أجرُ الأرض من وقت البيع إلى الحصد . وفي كلام صاحب التقريب ما يدل على إلحاق المشتري ( 1 ) بالمستعير في أجرة الأرض المزروعة . وهذا غير بعيد في القياس ، وإن كان بعيداً في النقل ؛ وذلك أن المشتري زرع الأرضَ ، والشفعةُ متعلقة بها ، بخلاف من زرع أرضه الخالصة ، ثم باعها ؛ فإنه لم يكن على بائع الأرض في وقت الزرع استحقاق . وهذا بيّن من هذا الوجه . 4769 - ثم إن المزني لما نقل من نص الشافعي البناء والغراس ، أخذ يعترض ويقول : هذه المسألة لا تتصور على مذهب الشافعي ؛ لأن المشتري لو بنى قبل القسمة ، فهو متعدٍّ غاصب ، لأنه بنى في ملك الغير ، فيقلع عليه مجاناً ، وإن فرض البناء بعد القسمة ، فالقسمة والمفاصلة تُبطل الشفعة ، فكيف ينتظم بقاء الشفعة مع جريان البناء والغراس بعد القسمة ( 2 ) . فقال الأصحاب : يمكن تصوير القسمةِ من وجوه ، مع بقاء الشفعة ، فمنها : إذا قيل للشفيع : اشترى فلانٌ الشقص بألف ، فرغب الشريك عن طلب الشفعة ، ورأى الثمنَ فوق المقدار الذي هو ثمن المثل ، فلو قاسم المشتري ، ثم بان أنه كان اشترى الشقصَ بخمسمائة ، فللشفيع حقُّ الشفعة ، وتلك القسمةُ لا تُبطل الشفعةَ ؛ لأنه أقدم

--> ( 1 ) المشتري : المراد به هنا مشتري الشقص . ( 2 ) هذا معنى كلام المزني في المختصر : 3 / 53 .